محمود طرشونة ( اعداد )

64

مائة ليلة وليلة

الجمهور إذ يمتزجان في نفس الحكاية . ولاحظنا في حديث محمد بن عبد الله القيرواني تدرّجا من الواقع إلى الخيال في مختلف أقسام الحكاية . فالقسم الأوّل واقعي يتناول معاملات النّاس في التجارة ويظهر فيه الدلالون في الأسواق والناس الذين يخفّون لتشييع جنازة . ثم يرتفع سرد الأحداث في القسم الثاني إلى مستوى خيالي عندما تظهر الجارية عارية على حافة الطريق ثم تختفي من الغد دون أن يعلم أحد كيف احتجبت وإلى أين ذهبت . ثم يبلغ الخيال أوجه في القسم الثالث عندما تأخذ الجارية - التي يتضح أنّها جنيّة - الفتى التاجر إلى قصرها وتحرّم عليه فتح باب فيفتحه ويدخل منه إلى متاهات مظلمة يخرج منها إلى شاطئ البحر فيؤخذ إلى ملك البلاد فيعلمه أنه رأى في النّوم أنّ ملكه لا يتم إلا به ، ويهب له العرش . حكاية كهذه تترك الجمهور يحلم بملاقاة جارية كهذه والدخول إلى قصر كقصرها الذي كثرت فيه الملذّات ، والوصول إلى هذه المملكة عن طريق باب من الأبواب الخفيّة للتّمتّع بملذات الأكل والشرب والملك . فعالم الحكاية شاسع جدا يتيح للراوي أن يحطّم جميع الحواجز فيتحاور الإنسان والحيوان ويتعايش عالم الأحياء وعالم الأموات ، ويتبع الجمهور فيه الأبطال المتنقّلين في البرايا والآجام والآكام والتلال والبحار وحتّى في الجوّ . فكأنّ الحكاية تمكّن الجمهور من الرحلة في هذه العوالم للقضاء على رتابة أيّامه في البيت أو المتجر أو الحقل . ومنذ القديم كان الإنسان توّاقا إلى الطيران . وليس طيران الفرس الآبنوس أو كروسة الغربي في حكاية ابن التاجر مع الغربي إلّا تجسيما شعبيا لمركّب ايكار ( ComPlexe d , Icare ) ، وما القدرة على تحويل التراب أو المعادن العادية إلى ذهب في كثير من الحكايات إلّا تجسيما شعبيّا لمركّب بروميثيوس ( Promethee ) الذي سرق نارا من الآلهة ووهبها البشر ليخلقوا بها صناعات تغيّر حياتهم ، وما الرحيل إلى عوالم غير مرئية إلّا صورة من مركّب أورفي ( OrPhee ) الذي اشتهر في الأساطير اليونانية وفي ملحمة